الشيخ محمد رشيد رضا
160
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وساطعا من سطورها سطوعه من القرآن . والذي نراه في هذه الأناجيل أن تلاميذ المسيح أنفسهم ما كانوا يفهمون كل ما يخاطبهم به من المواعظ والاحكام والبشائر وهي الإنجيل الحقيقي في اعتقادنا ( أقول ) بل فيها ان المسيح قال لهم انه لم يقل لهم كل شيء ، وان ثم أشياء كثيرة ينبغي أن تقال لهم أي لولا الموانع منها في عهده ، وبشرهم بأنه سيأتي بعده الفارقليط روح الحق الذي يقول لهم كل شيء - يعني محمدا خاتم النبيين عليهما الصلاة والسّلام - وسيرى القارئ تفصيل ذلك في تفسير سورة الأعراف « 1 » ولكن لم ينقل الينا أن الصحابة عمي عليهم شيء من آيات القرآن فلم يفهموها ، ولا أن علماء السلف حاروا في شيء منها ، فالقرآن يمتاز على سائر الكتب السماوية بأنه آيات بينات من الهدى الذي توصف به كلها ، وبينات من الامر الإلهي الفارق بين الحق والباطل ، بيد أن المقلدين من المسلمين لم يرضوا كافة بأن يمتاز القرآن بالبيان الذي ليس بعده بيان والهدى لجميع الناس كما وصف نفسه ، فحاول بعضهم تغميضه وسلم لهم مقلدتهم أنه غامض لا يفهمه إلا أفراد من الناس أوتوا علما جما ، وفاقوا سائر البشر بعقولهم وأفهامهم ، كما فاقوهم بعلومهم ومعارفهم ، ثم زعموا أن هؤلاء الافراد كانوا في بعض القرون الأولى وهم المجتهدون ، وانهم قد انقرضوا ولم يأت بعدهم ولن يأني من يسهل عليه أن يفهم القرآن ولو احكامه فقط ، وتجد هذا القول المناقض للقرآن والناقض له مسلما بين جماهير المسلمين المقلدين ، حتى الذين يدعون أنهم علماء الدين ، ومن نبذه اهتداء بالقرآن ، ربما نبزوه بلقب الكفر والطغيان ، فأي الفريقين أحق بصدق الايمان ، ؟ أما وسر الحق لولا أن المسلمين لبسوا على أنفسهم من القرآن ما يلبسون ، وحكموا فيه آراء من يقلدون ، لكان نور بيانه مشرقا عليهم وعلى سائر الناس ، كالشمس ليس دونها سحاب ، ولكنهم أبوا إلا أن يتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، ويضعوا كتبا في الدين يزعمون أن بيانها اجلى ، والاهتداء بها أولى ، لأنها بزعمهم أبين حكما ، وأقرب إلى الأذهان فهما .
--> ( 1 ) راجع ص 177 - 191 من الجزء التاسع